ابن قتيبة الدينوري

22

تأويل مشكل القرآن

وبعضهم يجعل الإقواء رفع قافية وجرّ أخرى . وقول أبي عبيدة أجود عندي ؛ لأن الإقواء من القوّة ، والقوّة : طاقة من الحبل ، يقال : ذهبت قوّة من الحبل ، إذا ذهبت منه طاقة ، وكذلك إذا ذهب جزء من البيت ، وهو الذي يسمى المزاحف . فقد ذهبت منه قوة ، كما ذهب قوة من الحبل ، كما قال ذلك « 1 » : لما رأت ماء السلا مشروبا فقد ذهب منه شيء ، فلو قال : ( مشروبة ) لكان مستويا . وللعرب المجازات في الكلام ، ومعناها : طرق القول ومآخذه . ففيها الاستعارة : والتمثيل ، والقلب ، والتقديم ، والتأخير ، والحذف ، والتكرار ، والإخفاء ، والإظهار ، والتعريض ، والإفصاح ، والكناية ، والإيضاح ، ومخاطبة الواحد مخاطبة الجميع ، والجميع خطاب الواحد ، والواحد والجميع خطاب الاثنين ، والقصد بلفظ الخصوص لمعنى العموم ، وبلفظ العموم لمعنى الخصوص ؛ مع أشياء كثيرة ستراها في أبواب المجاز إن شاء اللّه تعالى . وبكل هذه المذاهب نزل القرآن ؛ ولذلك لا يقدر أحد من التراجم على أن ينقله إلى شيء من الألسنة ، كما نقل الإنجيل عن السّريانية إلى الحبشيّة والرّومية ، وترجمت التوراة والزبور ، وسائر كتب اللّه تعالى بالعربية ؛ لأن العجم لم تتّسع في المجاز اتّساع العرب . ألا ترى أنك لو أردت أن تنقل قوله تعالى : وَإِمَّا تَخافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلى سَواءٍ [ الأنفال : 58 ] - لم تستطع أن تأتي بهذه الألفاظ مؤدية عن المعنى الذي أودعته حتى تبسط مجموعها ، وتصل مقطوعها ؛ وتظهر مستورها ، فتقول : إن كان بينك وبين قوم هدنة وعهد ، فخفت منهم خيانة ونقضا ، فأعلمهم أنك قد نقضت ما شرطت لهم ، وآذنهم بالحرب ؛ لتكون أنت وهم في العلم بالنّقض على استواء . وكذلك قوله تعالى : فَضَرَبْنا عَلَى آذانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَداً ( 11 ) [ الكهف : 11 ] إن أردت أن تنقله بلفظه ، لم يفهمه المنقول إليه ، فإن قلت : أنمناهم سنين عددا ،

--> ( 1 ) يروى البيت بتمامه : لمّا رأت ماء السّلى مشروبها * والفرث يعصر في الإناء أرنّت والبيت من الكامل ، وهو لحجل بن نضلة في لسان العرب ( سلا ) .